فصل: تفسير الآيات (34- 52):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (17- 33):

{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)}
قوله: {إِنَّا بلوناهم} يعني: كفار مكة، فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، والابتلاء الاختبار، والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ابتليناهم بالجوع والقحط {كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة} المعروف خبرهم عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدّي حق الله منها، فمات، وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحقّ الله فيها. قال الواحدي: هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظاً للمساكين عند الحصاد والصرام، فقالت بنوه: المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ الله في كتابه. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم. وقيل: هي جنة كانت بصوران، وصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير {إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أي: حلفوا ليقطعنها داخلين في وقت الصباح، والصرم القطع للثمر والزرع، وانتصاب {مُّصْبِحِينَ} على الحال من فاعل ليصرمنها، والكاف في: {كَمَا بَلَوْنَا} نعت مصدر محذوف أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، وما مصدرية، أو بمعنى الذي، وإذ ظرف لبلونا منتصب به، وليصرمنها جواب القسم {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} يعني: ولا يقولون إن شاء الله، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم أو حال. وقيل المعنى: ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم، قاله عكرمة.
{فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} أي: طاف على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه، والطائف قيل: هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء، كذا قال مقاتل. وقيل: الطائف جبريل اقتلعها، وجملة {وَهُمْ نَائِمُونَ} في محل نصب على الحال {فَأَصْبَحَتْ كالصريم} أي: كالشيء الذي صرمت ثماره أي: قطعت، فعيل بمعنى مفعول، وقال الفرّاء: كالصريم كالليل المظلم، ومنه قول الشاعر:
تطاول ليلك الجون الصريم ** فما ينجاب عن صبح بهيم

والمعنى: أنها حرقت فصارت كالليل الأسود، قال: والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة.
وقال الأخفش: أي كالصبح انصرم من الليل، يعني: أنها يبست وابيضت.
وقال المبرد: الصريم الليل، والصريم النهار أي: ينصرم هذا عن هذا، وذاك عن هذا، وقيل: سمي الليل صريماً لأنه يقطع بظلمته عن التصرّف، وقال المؤرج: الصريم الرملة؛ لأنها لا يثبت عليها شيء ينتفع به، وقال الحسن: صرم منها الخير أي: قطع {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} أي: نادى بعضهم بعضاً داخلين في الصباح.
قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض {أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ} و{أن} في قوله: {أَنِ اغدوا} هي المفسرة لأنّ في التنادي معنى القول، أو هي المصدرية أي: بأن اغدوا، والمراد اخرجوا غدوة، والمراد بالحرث: الثمار والزرع {إِن كُنتُمْ صارمين} أي: قاصدين للصرم، والغدوّ يتعدّى بإلى وعلى، فلا حاجة إلى تضمينه معنى الإقبال كما قيل، وجواب الشرط محذوف أي: إن كنتم صارمين فاغدوا، وقيل: معنى صارمين ماضين في العزم، من قولك سيف صارم {فانطلقوا وَهُمْ يتخافتون} أي: ذهبوا إلى جنتهم وهم يسرّون الكلام بينهم؛ لئلا يعلم أحد بهم، يقال: خفت يخفت، إذا سكن ولم ينبس، ومنه قول دريد بن الصمة:
وإني لم أهلك ملالا ولم أمت ** خفاتا وكلا ظنه بي عويمر

وقيل المعنى: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم، فيقصدوهم، كما كانوا يقصدون أباهم وقت الحصاد، والأوّل أولى لقوله: {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ} فإنّ {أن} هي المفسرة للتخافت المذكور لما فيه من معنى القول، والمعنى: يسرّ بعضهم إلى بعض هذا القول، وهو لا يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين، فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم. {وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قادرين} الحرد يكون بمعنى المنع والقصد. قال قتادة، ومقاتل، والكلبي، والحسن، ومجاهد: الحرد هنا بمعنى القصد؛ لأن القاصد إلى الشيء حارد. يقال: حرد يحرد إذا قصد، تقول: حردت حردك أي: قصدت قصدك، ومنه قول الراجز:
أقبل سيل جاء من عند الله ** يحرد حرد الجنة المغلة

وقال أبو عبيدة، والمبرد، والقتيبي: على حرد على منع، من قولهم: حردت الإبل حرداً: إذا قلت ألبانها، والحرود من النوق هي القليلة اللبن.
وقال السديّ، وسفيان، والشعبي {على حَرْدٍ}: على غضب، ومنه قول الشاعر:
إذا جياد الخيل جاءت تردى ** مملوءة من غضب وحرد

وقول الآخر:
تساقوا على حرد دماء الأساود

ومنه قيل: أسد حارد، وروي عن قتادة، ومجاهد أيضاً أنهما قالا: على حرد أي: على حسد.
وقال الحسن أيضاً: على حاجة وفاقة. وقيل: على حرد: على انفراد، يقال: حرد يحرد حرداً أو حروداً: إذا تنحى عن قومه، ونزل منفرداً عنهم ولم يخالطهم، وبه قال الأصمعي، وغيره.
وقال الأزهري: حرد اسم قريتهم، وقال السديّ: اسم جنتهم. قرأ الجمهور: {حرد} بسكون الراء. وقرأ أبو العالية، وابن السميفع بفتحها، وانتصاب {قادرين} على الحال. قال الفراء: ومعنى {قادرين}: قد قدروا أمرهم وبنوا عليه، وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم.
وقال الشعبي: يعني قادرين على المساكين {فَلَمَّا رَأَوْهَا} أي: لما رأوا جنتهم، وشاهدوا ما قد حلّ بها من الآفة التي أذهبت ما فيها {قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ} أي: قال بعضهم لبعض: قد ضللنا طريق جنتنا، وليست هذه.
ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع، قالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: حرمنا جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، فأضربوا عن قولهم الأوّل إلى هذا القول، وقيل: معنى قولهم: {إِنَّا لَضَالُّونَ} أنهم ضلوا عن الصواب بما وقع منهم.
{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أي: أمثلهم وأعقلهم وخيرهم {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ} أي: هلا تسبحون يعني: تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحاً؛ لأنه تعظيم لله وإقرار به، وهذا يدلّ على أن أوسطهم كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه، وقال مجاهد، وأبو صالح، وغيرهما: كان استثناؤهم تسبيحاً. قال النحاس: أصل التسبيح التنزيه لله عزّ وجلّ، فجعل التسبيح في موضع إن شاء الله، وقيل المعنى: هلا تستغفرون الله من فعلكم، وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها، وكان أوسطهم قد قال لهم ذلك، فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة على تلك الصفة قالوا: {سبحان رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظالمين} أي: تنزيهاً له عن أن يكون ظالماً فيما صنع بجنتنا، فإن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه. وقيل: معنى تسبيحهم الاستغفار أي: نستغفر ربنا من ذنبنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين.
{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون} أي: يلوم بعضهم بعضاً في منعهم للمساكين وعزمهم على ذلك، ثم نادوا على أنفسهم بالويل حيث قالوا: {ياويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين} أي: عاصين متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء وترك الاستثناء. قال ابن كيسان: أي: طغينا نعم الله، فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل، ثم رجعوا إلى الله وسألوه أن يعوّضهم بخير منها، فقالوا: {عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا} لما اعترفوا بالخطيئة رجوا من الله عزّ وجلّ أن يبدلهم جنة خيراً من جنتهم، قيل: إنهم تعاقدوا فيما بينهم، وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع أبونا، فدعوا الله وتضرّعوا، فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها. قرأ الجمهور: {يبدلنا} بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو، وأهل المدينة بالتشديد، وهما لغتان، والتبديل تغيير ذات الشيء، أو تغيير صفته، والإبدال رفع الشيء جملة، ووضع آخر مكانه، كما مضى في سورة سبأ {إِنَّا إلى رَبّنَا راغبون} أي: طالبون منه الخير راجون لعفوه راجعون إليه، وعدي بإلى، وهو إنما يتعدى بعن أو في لتضمينه معنى الرجوع {كَذَلِكَ العذاب} أي: مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به، وبلونا أهل مكة عذاب الدنيا، والعذاب مبتدأ مؤخر، و{كذلك} خبره {وَلَعَذَابُ الأخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي: أشد وأعظم لو كان المشركون يعلمون أنه كذلك، ولكنهم لا يعلمون.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة} قال: هم ناس من الحبشة كان لأبيهم جنة، وكان يطعم منها المساكين، فمات أبوهم، فقال بنوه: أن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين ف {أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} وأن لا يطعموا مسكيناً.
وأخرج ابن جرير عنه {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ} قال: أمر من الله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعصية، فإن العبد ليذنب الذنب الواحد، فينسّى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب، فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَطَافَ عَلَيْهِا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم} قد حرموا خير جنتهم بذنبهم».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كالصريم} قال: مثل الليل الأسود.
وأخرج ابن المنذر عنه: {وَهُمْ يتخافتون} قال: الإسرار والكلام الخفيّ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {على حَرْدٍ قادرين} يقول: ذو قدرة.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {إِنَّا لَضَالُّونَ} قال: أضللنا مكان جنتنا.
وأخرجا عنه أيضاً {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} قال: أعدلهم.

.تفسير الآيات (34- 52):

{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)}
لما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار، وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة، ذكر حال المتقين وما أعدّه لهم من الخير، فقال: {إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبّهِمْ جنات النعيم} أي: المتقين ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي عنده عزّ وجلّ في الدار الآخرة جنات النعيم الخالص الذي لا يشوبه كدر، ولا ينغصه خوف زوال {أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين} الاستفهام للإنكار، وكان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها، فلما سمعوا بذكر الآخرة، وما يعطي الله المسلمين فيها قالوا: إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحالهم إلاّ مثل ما هي في الدنيا، فقال الله مكذباً لهم رادّاً عليهم: {أَفَنَجْعَلُ المسلمين} الآية، والفاء للعطف على مقدر كنظائره. ثم وبخهم الله، فقال: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم تحكمون فيه بما شئتم {أَمْ لَكُمْ كتاب فِيهِ تَدْرُسُونَ} أي: تقرءون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي، ومثل هذا قوله تعالى: {أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بكتابكم} [الصافات: 56 57] ثم قال سبحانه: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} قرأ الجمهور بكسر إن على أنها معمولة لتدرسون أي: تدرسون في الكتاب {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} فلما دخلت اللام كسرت الهمزة كقوله: علمت إنك لعاقل بالكسر، أو على الحكاية للمدروس، كما في قوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الأخرين * سلام على نُوحٍ في العالمين} [الصافات: 78، 79]. وقيل: قد تمّ الكلام عند قوله: {تَدْرُسُونَ} ثم ابتدأ فقال: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} أي: ليس لكم ذلك، وقرأ طلحة بن مصرف، والضحاك: {أن لكم} بفتح الهمزة على أن العامل فيه تدرسون مع زيادة لام التأكيد، ومعنى {تَخَيَّرُونَ}: تختارون وتشتهون.
ثم زاد سبحانه في التوبيخ فقال: {أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا بالغة} أي: عهود مؤكدة موثقة متناهية، والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة، وقوله: {إلى يَوْمِ القيامة} متعلق بالمقدر في لكم أي: ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى يحكمكم يومئذٍ، وجواب القسم قوله: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} لأن معنى: {أَمْ لَكُمْ أيمان} أي: أم أقسمنا لكم. قال الرازي: والمعنى أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد. وقيل: قد تمّ الكلام عند قوله: {إلى يَوْمِ القيامة} ثم ابتدأ، فقال: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} أي: ليس الأمر كذلك. قرأ الجمهور: {بالغة} بالرفع على النعت لأيمان، وقرأ الحسن، وزيد بن عليّ بنصبها على الحال من أيمان؛ لأنها قد تخصصت بالوصف، أو من الضمير في لكم؛ أو من الضمير في علينا {سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ} أي: سل يا محمد الكفار موبخاً لهم ومقرّعاً، أيهم بذلك الحكم الخارج عن الصواب كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها.
وقال ابن كيسان: الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى.
وقال الحسن: الزعيم الرسول.
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء} يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صادقين} فيما يقولون، وهو أمر تعجيز، وجواب الشرط محذوف، وقيل: المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة.
{يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} يوم ظرف لقوله: {فَلْيَأْتُواْ} أي: فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق، ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل مقدّر أي: اذكر يوم يكشف. قال الواحدي: قال المفسرون في قوله: {عَن سَاقٍ} عن شدّة من الأمر. قال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجدّ فيه شمر عن ساقه، فيستعار الكشف عن الساق في موضع الشدّة، وأنشد لدريد بن الصمة:
كميش الإزار خارج نصف ساقه ** صبور على الجلاء طلاع أنجد

وقال: وتأويل الآية يوم يشتدّ الأمر كما يشتدّ ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. قال أبو عبيدة: إذا اشتدّ الحرب، والأمر قيل: كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجدّ شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدّة، وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها، ومن ذلك قول الشاعر:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ** وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا

وقول آخر:
والخيل تعدو عند وقت الإشراق ** وقامت الحرب بنا على ساق

وقول آخر أيضاً:
قد كشفت عن ساقها فشدّوا ** وجدّت الحرب بكم فجدّوا

وقول آخر أيضاً في سنة:
قد كشفت عن ساقها حمرا ** ء تبرى اللحم عن عراقها

وقيل: ساق الشيء: أصله وقوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان أي: يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه، وقيل: يكشف عن ساق جهنم، وقيل: عن ساق العرش، وقيل: عبارة عن القرب، وقيل: يكشف الربّ سبحانه عن نوره، وسيأتي في آخر البحث ما هو الحق، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. قرأ الجمهور: {يكشف} بالتحية مبنياً للمفعول، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة {تكشف} بالفوقية مبنياً للفاعل أي: الشدّة أو الساعة، وقرئ بالفوقية مبنياً للمفعول، وقرئ بالنون، وقرئ بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر أي: دخل في الكشف {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} قال الواحدي: قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم تيبست فلا تلين للسجود.
قال الربيع بن أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون؛ لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، وانتصاب {خاشعة أبصارهم} على الحال من ضمير يدعون، وأبصارهم مرتفع به على الفاعلية، ونسبة الخشوع إلى الأبصار، وهو الخضوع والذلة لظهور أثره فيها {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: تغشاهم ذلة شديدة وحسرة وندامة {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود} أي في الدنيا {وَهُمْ سالمون} أي معافون عن العلل متمكنون من الفعل. قال إبراهيم التيمي: يدعون بالأذان والإقامة فيأبون.
وقال سعيد بن جبير: يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون. قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هده الآية إلاّ في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: يدعون بالتكليف المتوجه عليهم بالشرع فلا يجيبون، وجملة: {وَهُمْ سالمون} في محل نصب على الحال من ضمير يدعون.
{فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بهذا الحديث} أي: خل بيني وبينه، وكل أمره إليّ فأنا أكفيكه. قال الزجاج: معناه لا يشتغل به قلبك، كله إليّ فأنا أكفيك أمره. والفاء لترتيب ما بعدها من الأمر على ما قبلها، و{من} منصوب بالعطف على ضمير المتكلم، أو على أنه مفعول معه، والمراد بهذا الحديث القرآن، قاله السديّ. وقيل: يوم القيامة، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة {سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} مستأنفة لبيان كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله: {ذَرْنِى وَمَنْ يُكَذّبُ بهذا الحديث}، والضمير عائد إلى من باعتبار معناها، والمعنى: سنأخذهم بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنهم يظنونه إنعاماً، ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته. قال سفيان الثوري: يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر.
وقال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال، ويقال: استدرج فلان فلاناً أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درّجه إلى كذا واستدرجه يعني: أدناه إلى التدريج، فتدرج هو.
ثم ذكر سبحانه أنه يمهل الظالمين، فقال: {وَأُمْلِى لَهُمْ} أي: أمهلهم ليزدادوا إثماً، وقد مضى تفسير هذا في سورة الأعراف والطور، وأصل الملاوة المدّة من الدهر، يقال: أملى الله له أي: أطال له المدّة، والملا: مقصور الأرض الواسعة، سميت به، لامتدادها {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} أي: قويّ شديد، فلا يفوتني شيء، وسمى سبحانه إحسانه كيداً، كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد باعتبار عاقبته، ووصفه بالمتانة لقوّة أثره في التسبب للهلاك {أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً} أعاد سبحانه الكلام إلى ما تقدّم من قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء} أي أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله {فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} المغرم: الغرامة أي: فهم من غرامة ذلك الأجر، ومثقلون أي: يثقل عليهم حمله لشحهم ببذل المال، فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب، والاستفهام للتوبيخ والتقريع لهم، والمعنى: أنك لم تسألهم ذلك ولم تطلبه منهم {أَمْ عِندَهُمُ الغيب فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي: اللوح المحفوظ، أو كلّ ما غاب عنهم، فهم من ذلك الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون أنها تدلّ على قولهم، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون، ويستغنون بذلك عن الإجابة لك والامتثال لما تقوله.
{فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ} أي: لقضائه الذي قد قضاه في سابق علمه، قيل: والحكم هنا هو إمهالهم وتأخير نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وقيل: هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف {وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت} يعني: يونس عليه السلام، أي: لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة، والظرف في قوله: {إِذْ نادى} منصوب بمضاف محذوف أي: لا تكن حالك كحاله وقت ندائه، وجملة {وَهُوَ مَكْظُومٌ} في محل نصب على الحال من فاعل نادى، والمكظوم: المملوء غيظاً وكرباً. قال قتادة: إن الله يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدّم بيان قصته في سورة الأنبياء ويونس والصافات، وكان النداء منه بقوله: {لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين} [الأنبياء: 87] وقيل: إن المكظوم: المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس. قاله المبرّد، وقيل: هو المحبوس، والأوّل أولى، ومنه قول ذى الرّمة:
وأنت من حبّ ميّ مضمر حزنا ** عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم

{لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ} أي لولا أن تدارك صاحب الحوت نعمة من الله، وهي توفيقه للتوبة، فتاب الله عليه {لَنُبِذَ بالعراء} أي: لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات {وَهُوَ مَذْمُومٌ} أي: يذمّ ويلام بالذنب الذي أذنبه، ويطرد من الرحمة، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير نبذ. قال الضحاك: النعمة هنا النبوّة.
وقال سعيد بن جبير: عبادته التي سلفت.
وقال ابن زيد: هي نداؤه بقوله: {لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين} [الأنبياء: 87] وقيل: مذموم مبعد. وقيل: مذنب. قرأ الجمهور: {تداركه} على صيغة الماضي، وقرأ الحسن، وابن هرمز، والأعمش بتشديد الدال، والأصل: تتداركه بتاءين مضارعاً فأدغم، وتكون هذه القراءة على حكاية الحال الماضية، وقرأ أبيّ، وابن مسعود، وابن عباس {تداركته} بتاء التأنيث. {فاجتباه رَبُّهُ} أي: استخلصه واصطفاه، واختاره للنبوّة {فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين} أي: الكاملين في الصلاح، وعصمه من الذنب.
وقيل: ردّ إليه النبوّة وشفعه في نفسه وفي قومه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، كما تقدّم.
{وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم} {إن} هي المخففة من الثقيلة. قرأ الجمهور: {ليزلقونك} بضم الياء من أزلقه أي: أزلّ رجله، يقال: أزلقه عن موضعه إذا نحاه، وقرأ نافع، وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه: إذا تنحى. قال الهروي: أي: فيغتالونك بعيونهم، فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك، وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، والأعمش، ومجاهد، وأبو وائل {ليرهقونك} أي: يهلكونك.
وقال الكلبي: {يزلقونك} أي: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة، وكذا قال السديّ، وسعيد بن جبير.
وقال النضر بن شميل، والأخفش: يفتنونك.
وقال الحسن، وابن كيسان: ليقتلونك. قال الزجاج: في الآية مذهب أهل اللغة، والتأويل أنهم من شدّة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك، وهذا مستعمل في الكلام، يقول القائل: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني، ونظراً يكاد يأكلني. قال ابن قتيبة: ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، كما قال الشاعر:
يتعارضون إذا التقوا في مجلس ** نظراً يزيل مواطئ الأقدام

{لَمَّا سَمِعُواْ الذكر} أي وقت سماعهم للقرآن، لكراهتهم لذلك أشدّ كراهة، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك، وقيل: هي حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه أي: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مَّجْنُونٍ} أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن، فردّ الله عليهم بقوله: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ} والجملة مستأنفة، أو في محل نصب على الحال من فاعل يقولون: أي: والحال أنه تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه، أو شرف لهم، كما قال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44].
وقيل: الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه مذكر للعالمين، أو شرف لهم.
وقد أخرج البخاري، وغيره عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً»، وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، وهو حديث مشهور معروف.
وأخرج ابن منده عن أبي هريرة في الآية قال: يكشف الله عزّ وجلّ عن ساقه.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن منده عن ابن مسعود في الآية قال: يكشف عن ساقه تبارك وتعالى.
وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء، والصفات، وضعفه، وابن عساكر عن أبي موسى عن النبيّ في الآية قال: «عن نور عظيم، فيخرّون له سجداً».
وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن منده، والبيهقي عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس في الآية قال: يكشف عن أمر عظيم، ثم قال: قد قامت الحرب على ساق. قال: وقال ابن مسعود: يكشف عن ساقه فيسجد كلّ مؤمن، ويقسو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:
وقامت الحرب بنا على ساق

قال ابن عباس: هذا يوم كرب شديد. روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله، كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً، فليس كمثله شيء.
دعوا كل قول عند قول محمد ** فما آمن في دينه كمخاطر

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون} قال: هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون.
وأخرج البيهقي في الشعب عنه في الآية قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم} قال: ينفذونك بأبصارهم.